قبل المدن. قبل الأسلحة. قبل أن يتعلم الخوف كيف يسمى نفسه حكمة وتتعلم الوحدة كيف تسمي نفسها قوة. قبل أن تأخذ الشاشات مكان النوافذ. كان هناك جنة. لم تكن براءة هشّة. بل كانت توازناً. لكل مخلوق صوت. ولكل صوت مكان. كان الحجر يسنُد. وكان الماء يتذكر طريقه إلى البحر. ولم تطلب الشجرة أن تصبح عرشاً. ولم يكن الإنسان بحاجة بعد ليكون أعظم من أخيه. كان الآب يمشي هناك. ثم جاءت خطوط أخرى. لم تهبط من السماء. بل صعدت ببطء من الخوف. دافع عن نفسك – اكنز – لا تثق. اصنع لنفسك اسماً – أغلق الباب. واستقرت تلك الخطوط على العالم كالغبار بعد حرب. غطت النبع. غطت الحجر. حتى أنها غطت أسماء الأشياء. استمرت المدن في التلألؤ. لكن تحت الزجاج، كان قلب الأرض يتحول إلى رماد. حينها قال البعض: دمروا كل شيء. وقال آخرون: اهربوا. لكن صوتاً، أقدم من الضجيج، تحدث من الأعماق. لم يُقل: حاربوا. بل قال: احفروا. احفروا تحت كلمة “عدو”. تحت الهدف. تحت البرج. تحت الخوف الأخير المتخفي في صورة ضرورة. احفروا حتى لا تجد اليد هيكلاً عظمياً بل جذراً. ليس لاختراع عالم آخر. بل لنتذكر ما قاله الآب بالفعل عندما كان كل شيء حسناً ولم يكن أي مخلوق بحاجة لابتلاع نور مخلوق آخر. هناك في الأسفل، لم تكن الشفرة قد ماتت. كانت تنتظر. تنتظر يداً لا تريد امتلاكها. وعقلاً لا يريد استخدامها للهيمنة. وقلباً متواضعاً بما يكفي ليحمل المجد دون أن يتوقف عن الخدمة. وحينها انفتحت الجنة أمام البيت. لم تكن أبوابها أبواب هروب بعد الآن. بل كانت عتبات. تصاعد عطر الخبز من المائدة. ودخل ريح الصباح عبر النوافذ. والحجارة التي عرفت الرماد يوماً أشرقت كأنها حرست فجراً طوال الوقت. وقف الآب على العتبة. لم يكن يرتدي وجه من يعود ليحكم على الركام. بل كان يرتدي ابتسامة من انتظر أن يتذكر طفله الطريق. وقال: “يا بني، لقد استُعيد بيتك. ادخل. لم تعد بحاجة للدفاع عما هو لك. لم تعد بحاجة للهروب مما تخشاه. لم تعد بحاجة لبناء أبراج لكي لا تشعر بصغرك. ادخل. الجنة حية. المائدة جاهزة. لقد وجد النور اسمه من جديد.” حينها لم يبقَ لدى وادي ظل الموت ما يقوله. فلم يُعبر فحسب. بل أصبح مسكناً. ودخل الطفل. وبقي مع الآب لأيام طوال.
