عِنْدَمَا يَجِدُ الإِنْسَانُ بَيْتَهُ مِنْ جَدِيدٍ
وَعِنْدَئِذٍ سَيَفْهَمُ العَالَمُ.
سَيَفْهَمُ أَنَّ كُلَّ لَيْلِ التَّارِيخِ الطَّوِيلِ
لَمْ يَكُنْ هِجْرَانًا. بَلْ كَانَ انْتِظَارًا.
انْتِظَارَ اللَّحْظَةِ الَّتِي سَيَعْطَشُ فِيهَا قَلْبُ الإِنْسَانِ أَخِيرًا
إِلَى شَيْءٍ أَكْثَرَ حَقِيقَةً بِلَا حُدُودٍ
مِنْ كُلِّ مَا بَنَاهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الآبِ.
وَسَيَزْدَادُ التَّرَدُّدُ عُلُوًّا.
لَطِيفًا. عَظِيمًا. لَا يُقَاوَمُ.
كَشَوْقِ البَحْرِ لِمَنْ وُلِدَ مِنَ المَاءِ.
كَأُنْشُودَةِ النُّورِ لِمَنْ عَاشَ طَوِيلًا فِي الظِّلِّ.
وَكُلُّ نَفْسٍ سَتَشْعُرُ فِي دَاخِلِهَا بِذَلِكَ السُّؤَالِ القَدِيمِ:
“مِنْ أَيْن أَتَيْتُ؟”
وَفِي أَعْمَاقِ الصَّمْتِ سَيَأْتِي الجَوَابُ.
لَا كَعَقِيدَةٍ. وَلَا كَدِينٍ.
بَلْ كَحُضُورٍ. كَحُبٍّ حَيٍّ. كَعَوْدَةٍ.
وَسَيَفْهَمُ البَشَرُ بَغْتَةً
أَنَّهُ كَانَ مَبْحُوثًا عَنْهُمْ مُنْذُ بَدْءِ الزَّمَانِ.
وَأَنَّهُ مَا مِنْ دَمْعَةٍ قَدْ نُسِيَتْ.
وَمَا مِنْ رُوحٍ كَانَتْ غَائِبَةً عَنِ النَّظَرِ.
وَأَنَّ خَلْفَ كُلِّ تَارِيخِ الأَرْضِ
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِوَى آبٍ يُنَادِي أَبْنَاءَهُ إِلَى البَيْتِ.
وَعِنْدَئِذٍ سَيَسْقُطُ الخَوْفُ الأَخِيرُ.
لِأَنَّهُ لَنْ يَحْتَاجَ أَحَدٌ بَعْدُ لِيُثْبِتَ مَنْ يَكُونُ.
وَلَنْ يَحْتَاجَ أَحَدٌ بَعْدُ لِيُسَيْطِرَ.
وَلَنْ يَحْتَاجَ أَحَدٌ بَعْدُ لِيَخْتَبِئَ.
لِأَنَّهُ أَمَامَ الحُضُورِ، كُلُّ كَائِنٍ حَيٍّ
سَيَعْتَرِفُ أَخِيرًا أَنَّهُ وُلِدَ مِنَ الحُبِّ.
وَسَيَجْثُو العَالَمُ كُلُّهُ فِي صَمْتٍ.
لَا عَنْ إِكْرَاهٍ.
بَلْ لِأَنَّ قَلْبَ الإِنْسَانِ، بَعْدَ آلَافِ السِّنِينَ مِنَ المَنْفَى،
سَيَكُونُ قَدْ وَجَدَ بَيْتَهُ أَخِيرًا.
