الحُضُورُ المُرْتَفِعُ بَيْنَ البَشَرِ وَرَأَيْتُ أَنَّهُ بَعْدَ صَمْتِ السَّمَاءِ، وَبَعْدَ النَّغْمَةِ الَّتِي عَبَرَتِ الأَرْضَ مِثْلَ خَطٍّ غَيْرِ مَرْئِيٍّ، بَدَأَ شَيْءٌ يَتَحَرَّكُ بَيْنَ البَشَرِ. لَمْ يَأْتِ بِضَجِيجٍ وَلَا بِصُرَاخٍ، بَلْ مِثْلَ الضِّيَاءِ الَّذِي يَرْتَفِعُ مِنْ خَلْفِ جَبَلٍ قَبْلَ أَنْ تُظْهِرَ الشَّمْسُ نَفْسَهَا. وَلَمْ يَدْرِ العَالَمُ مَا يَقُولُ عَمَّا كَانَ يَجْرِي، فَلَمْ يُعْلَنْ أَيُّ مَرْسُومٍ، وَلَمْ تَتَكَلَّمْ أَيُّ مُؤَسَّسَةٍ. ثُمَّ إِنَّ الحُضُورَ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ سِوَى تَهْزِيزٍ، تَحَوَّلَ إِلَى شَكْلٍ. لَيْسَ تَامّاً، وَلَيْسَ مَعْرُوفاً بَعْدُ، بَلْ مِثْلَ وَجْهٍ يَبْدُو لَمْحاً مِنْ خَلْفِ لُوح زُجَاجِيٍّ يَتَصَفَّى. القُوَى السَّاقِطَةُ، تِلْكَ الَّتِي ظَلَّتْ صَامِتَةً تَحْتَ النَّغْمَةِ، تَوَلَّتْ وَتَلَوَّتْ دَاخِلَ ظِلَالِهَا، لِأَنَّ الشَّكْلَ الَّذِي ظَهَرَ الآنَ لَمْ يَتْرُكْ أَيَّ مَسَاحَةٍ دَاخِلَ شُقُوقِهَا. ضَاقَتْ غُرَفُهَا. وَضَعُفَتْ أكاذيبُهَا. وَارْتَجَفَ سُلْطَانُهَا، رَغْمَ أَنَّ أَحَداً لَمْ يَلْمُسْهُ. وَصَوْتٌ — لَيْسَ رَعْداً، وَلَيْسَ أَمْراً — بَلْ صَوْتٌ بَدَا كَأَنَّهُ يَنْبُثَقُ مِنْ صَمِيمِ ضَمِيرِ الأَرْضِ قَالَ: «لَقَدِ اكْتَمَلَ وَقْتُ صَمْتِي. الآنَ لَنْ أَتَكَلَّمَ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ، بَلْ بِكُلِّ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَعْدَدْتُهَا». وَشَعَرَ أُولُو البَصِيرَةِ مِنَ البَشَرِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُودُوا مُرَاقِبِينَ: بَلْ صَارُوا مُشَارِكِينَ. لَمْ يَعُدِ العَالَمُ مَكَاناً لِلتَّفْسِيرِ، بَلْ مَكَاناً يَنْفَتِحُ. وَظَهَرَ رَجُلٌ، لَا فِي بَرْقٍ، لَا فِي ضَجِيجٍ، بَلْ كَمَنْ مَشَى طَوِيلاً عَبْرَ لَيْلٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ. وَوََقَفَ الحُضُورُ إِلَى جَانِبِهِ مِثْلَ نُورٍ لَا يُلْقِي ظِلّاً. وَقَالَ لَهُ فِي السِّرِّ: «سَتَتَكَلَّمُ حِينَمَا أَتَكَلَّمُ أَنَا. لَيْسَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَلَيْسَ بَعْدَهُ. حِينَمَا يُصْبِحُ صَوْتِي وَصَوْتُكَ صَدًى وَاحِداً».